مدرسة أبورماد الابتدائية القديمة *( إدارة الشلاتين التعليمية )*

منتدي مدرسة أبورماد الابتدائية القديمة يرحب بكم ويتمني منكم المشاركة الفعالة
مدرسة أبورماد الابتدائية القديمة *( إدارة الشلاتين التعليمية )*

المشرف العام للمنتدي أستاذ / محمد حسن أحمد

يسر مدرسة أبورماد أن ترحب بكم في منتداها وترجو منكم التسجيل والتواصل
هل تعرف شيئا عن أبورماد ؟ دائما تسمع وتقرأ - شلاتين وحلايب _ ولكن هل سمعت أو قرأت شيئا عن أبورماد ؟ والتي تعد هي الأم وهي القلب الحقيقي للمثلث الجنوبي في مصر .......... سوف تقرأ وتعرف كل شيء عنها من منتدي أبورماد درة الجنوب قريبا
يسر منتدي مدرسة أبورماد أن تعلن عن منتدى الأصدقاء الجديد & يسر السيد بسام كامل شحات تواصلكم معه على منتدي الأصدقاء
قريبا إن شاء الله نتيجة الصف السادس الابتدائي على منتدى المدرسة

المواضيع الأخيرة

» مراجعة موضوعات مادة اللغة العربية للصف السادس
الجمعة ديسمبر 10, 2010 8:23 am من طرف Admin

» مراجعة للصف السادس
الخميس ديسمبر 02, 2010 12:40 am من طرف النجعاوي

» أجعل جهازك يبدأ ببسم الله
السبت نوفمبر 13, 2010 3:58 pm من طرف أشرف سعيد مبارك

» أكثر الفيروسات إنتشاراً
الثلاثاء أكتوبر 26, 2010 2:02 am من طرف أشرف سعيد مبارك

» شرح صحيح البخاري ج1
الإثنين أكتوبر 25, 2010 2:00 am من طرف النجعاوي

» تفسير سورة الكهف للقرطبي ج1
الإثنين أكتوبر 25, 2010 1:55 am من طرف النجعاوي

» هام للزوار
الأحد أكتوبر 24, 2010 11:44 pm من طرف Admin

» شرح شذور الذهب ج 1
الأحد أكتوبر 24, 2010 10:40 am من طرف النجعاوي

» مصادر التشريع المتفق عليها بين جمهور الأمة
الأحد أكتوبر 24, 2010 10:34 am من طرف النجعاوي

بسم الله الرحمن الرحيم

مرحبا بكم في منتدى مدرسة أبورماد الابتدائية القديمة

    تفسير سورة الكهف للقرطبي ج1

    شاطر

    النجعاوي

    عدد المساهمات : 7
    تاريخ التسجيل : 24/10/2010

    تفسير سورة الكهف للقرطبي ج1

    مُساهمة  النجعاوي في الإثنين أكتوبر 25, 2010 1:55 am

    ** وهي مكية في قول جميع المفسرين. وروي عن فرقة أن أوّل السورة نزل بالمدينة إلى قوله: {جُرُزاً}, والأول أصح. وروي في فضلها من حديث أنس أنه قال: من قرأ بها أعطي نوراً بين السماء والأرض ووقي بها فتنة القبر. وقال إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلّكم على سورة شيّعها سبعون ألف مَلَك ملأ عظمها ما بين السماء والأرض لتاليها مثل ذلك». قالوا: بلى يا رسول الله؟ قال: «سورة أصحاب الكهف من قرأها يوم الجمعة غفر له إلى الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام وأعطي نوراً يبلغ السماء ووقي فتنة الدجال» ذكره الثعلبيّ, والمهدوي أيضاً بمعناه. وفي مسند الدّارميّ عن أبي سعيد الخدري قال: من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق. وفي صحيح مسلم عن أبي الدّرداء أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حفظ عشر آيات من أوّل سورة الكهف عُصم من الدجال». وفي رواية «من آخر الكهف». وفي مسلم أيضاً من حديث النواس بن سِمْعان: «فمن أدركه ـ يعني الدجال ـ فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف». وذكره الثعلبيّ. قال سَمُرة بن جُندب قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: من قرأ عشر آيات من سورة الكهف حفظاً لم تضره فتنة الدجال, ومن قرأ السورة كلها دخل الجنة».



    ** قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَنْزَلَ عَلَىَ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لّهُ عِوَجَا * قَيّماً لّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مّن لّدُنْهُ وَيُبَشّرَ الْمُؤْمِنِينَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * مّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً }.

    قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَنْزَلَ عَلَىَ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لّهُ عِوَجَا} {قَيّماً} ذكر ابن إسحاق: أن قريشاً بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود وقالوا لهما: سَلاهم عن محمد وصِفَا لهم صفته وأخبراهم بقوله¹ فإنهم أهل الكتاب الأول, وعندهم علمٌ ليس عندنا من علم الأنبياء¹ فخرجا حتى قدما المدينة, فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ووصفا لهم أمره, وأخبراهم ببعض قوله, وقالا لهم: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. فقالت لهما أحبار يهود: سَلُوه عن ثلاث نأمركم بهن, فإن أخبركم بهن فهو نبيّ مرسل, وإن لم يفعل فالرجل متقوّل, فروا فيه رأيكم¹ سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول, ما كان أمرهم¹ فإنه قد كان لهم حديثٌ عَجَب. وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها, ما كان نبؤه. وسلوه عن الروح, ما هي¹ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبيّ, وإن لم يفعل فهو رجل متقوّل فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة على قريش فقالا: يا معشر قريش! قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها, فإن أخبركم عنها فهو نبيّ, وإن لم يفعل فالرجل متقوّل, فروا فيه رأيكم. فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد, أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول, قد كانت لهم قصة عجب, وعن رجل كان طوّافاً قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها, وأخبرنا عن الروح ما هي؟ قال فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبركم بما سألتم عنه غداً» ولم يستثن. فانصرفوا عنه, فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون خمس عشرة ليلة, لا يحدث الله إليه في ذلك وَحْياً ولا يأتيه جبريل, حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وَعَدَنا محمد غداً, واليوم خمس عشرة ليلة, وقد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه¹ وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُكْثُ الوحي عنه, وشقّ عليه ما يتكلم به أهل مكة, ثم جاءه جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم, وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية, والرجل الطواف والروح. قال ابن إسحاق: فذُكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: «لقد احتبست عني يا جبريل حتى سُؤت ظنّا» فقال له جبريل: {وَمَا نَتَنَزّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبّكَ نَسِيّاً} (مريم: 64). فافتتح السورة تبارك وتعالى بحمده, وذكر نبوّة رسوله صلى الله عليه وسلم لما أنكروا عليه من ذلك فقال: {الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَنْزَلَ عَلَىَ عَبْدِهِ الْكِتَابَ} (الكهف: 1) يعني محمداً, إنك رسول منّي, أي تحقيق لما سألوا عنه من نبوّتك. {وَلَمْ يَجْعَل لّهُ عِوَجَاقَيّماً} (الكهف: 1) أي معتدلاً لا اختلاف فيه. {لّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مّن لّدُنْهُ} أي عاجل عقوبته في الدنيا, وعذاباً أليماً في الاَخرة, أي من عند ربك الذي بعثك رسولاً. {وَيُبَشّرَ الْمُؤْمِنِينَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً} أي دار الخلد لا يموتون فيها, الذين صدّقوك بما جئت به مما كذّبك به غيرهم, وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال. {وَيُنْذِرَ الّذِينَ قَالُواْ اتّخَذَ اللّهُ وَلَداً} يعني قريشاً في قولهم: إنا نعبد الملائكة وهي بنات الله. {مّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لاَبَائِهِمْ} الذين أعظموا فراقهم وعيب دينهم. {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} أي لقولهم إن الملائكة بنات الله. {إِن يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً فَلَعَلّكَ بَاخِعٌ نّفْسَكَ عَلَىَ آثَارِهِمْ إِن لّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً} لحزنه عليهم حين فاته ما كان يرجوه منهم, أي لا تفعل. قال ابن هشام: «باخع نفسك» مُهْلك نفسك¹ فيما حدّثني أبو عبيدة. قال ذو الرّمّة:

    ألا أيّهذا الباخِعُ الوَجْدُ نفسَهبشيء نَحَتْه عن يَدَيْه المَقادِرُ



    وجمعها باخعون وبخعة. وهذا البيت في قصيدة له. وتقول العرب: قد بخعت له نُصْحي ونَفْسي, أي جَهَدت له. {إِنّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} قال ابن إسحاق: أي أيّهم أتبع لأمري وأعمل بطاعتي. {وَإِنّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} أي الأرض, وإن ما عليها لفانٍ وزائل,وإن المرجع إليّ فأجزي كلاّ بعمله¹ فلا تأسى ولا يحزنك ما ترى وتسمع فيها. قال ابن هشام: الصّعيد وجه الأرض, وجمعه صُعُد. قال ذو الرّمّة يصف ظبياً صغيراً.

    كأنه بالضّحَا تَرمي الصعيدَ بهدبّابةٌ في عِظام الرأس خُرطوم



    وهذا البيت في قصيدة له. والصعيد أيضاً: الطريق, وقد جاء في الحديث: «إياكم والقعود على الصّعدات» يريد الطرق. والجُرُز: الأرض التي لا تنبت شيئاً, وجمعها أجراز. ويقال: سَنَةٌ جُرُز وسنون أجراز¹ وهي التي لا يكون فيها مطر. وتكون فيها جدوبة ويبس وشدّة. قال ذو الرمّة يصف إبلاً:

    طَوَى النّحْزُ والأجراز ما في بطونهافما بقِيتْ إلا الضّلوع الجراشِعُ



    قال ابن إسحاق: ثم استقبل قصة الخبر فيما سألوه عنه من شأن الفتية فقال: {أَمْ حَسِبْتَ أَنّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} أي قد كان من آياتي فيما وضعت على العباد من حجتي ما هو أعجب من ذلك. قال ابن هشام: والرقيم الكتاب الذي رُقِم بخبرهم, وجمعه رُقُم. قال العَجّاج:

    ومُسْتَقَــرّ المصحـف المُرَقّـمِ وهذا البيت في أُرْجوزة له. قال ابن إسحاق: ثم قال: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبّنَآ آتِنَا مِن لّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} فَضَرَبْنَا عَلَىَ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ثُمّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىَ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً}. ثم قال: {نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِالْحَقّ} أي بصدق الخبر {إِنّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} {وَرَبَطْنَا عَلَىَ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبّنَا رَبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَن نّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـَهاً لّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} (الكهف: 13 و14) أي لم يشركوا بي كما أشركتم بي ما ليس لكم به علم. قال ابن هشام: والشّطَطُ الغُلُوّ ومجاوزة الحق. قال أعشى بني قيس بن ثَعْلبة:

    أتنتهون ولا يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍكالطعن يذهب فيه الزّيْت والفُتُلُ

    وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: {هَـَؤُلآءِ قَوْمُنَا اتّخَذْواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيّنٍ}. قال ابن إسحاق: أي بحجة بالغة. {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ كَذِباً وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاّ اللّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبّكُم مّن رّحْمَتِهِ وَيُهَيّىءْ لَكُمْ مّنْ أَمْرِكُمْ مّرْفَقاً وَتَرَى الشّمْسَ إِذَا طَلَعَت تّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مّنْهُ} قال ابن هشام: تزاور تميل¹ وهو من الزّور. وقال أبو الزحف الكُلَيْبيّ يصف بلداً:

    جَدْب المُنَدّى عن هَوانَا أزْوَرُيُنْضِي المطايا خِمْسُه العَشَنْزَرُ



    وهذان البيتان في أرجوزة له. و«تقرضهم ذات الشمال» تجاوزهم وتتركهم عن شمالها.

    قال ذو الرّمّة:

    إلى ظُعُن يَقْرِضن أقواز مُشْرِفٍشِمالاً وعن أيْمانِهن الفوارِسُ



    وهذا البيت في قصيدة له. والفجوة: السّعة, وجمعها الفجاء. قال الشاعر:

    ألبسْتَ قومَك مَخْزاة ومنقصةًحتى أبِيحُوا وحَلّوا فَجْوة الدار



    {ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ} أي في الحجة على من عرف ذلك من أمورهم من أهل الكتاب ممن أمر هؤلاء بمسألتك عنهم في صدق نبوّتك بتحقيق الخبر عنهم. {مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مّرْشِداً وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالوَصِيدِ} قال ابن هشام: الوصيد الباب. قال العبسي واسمه عبد بن وهب:

    بأرضِ فَلاةٍ لا يُسَدّ وَصيدُهاعليّ ومعروفي بها غير مُنْكَرِ



    وهذا البيت في أبيات له. والوصيد أيضاً الفناء, وجمعه وصائد ووصد ووصدان. {لَوِ اطّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً} إلى قوله: {الّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىَ أَمْرِهِمْ} أهل السلطان والملك منهم. {لَنَتّخِذَنّ عَلَيْهِمْ مّسْجِداً سَيَقُولُونَ} يعني أحبار اليهود الذين أمروهم بالمسألة عنهم. {ثَلاثَةٌ رّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رّبّي أَعْلَمُ بِعِدّتِهِم مّا يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ} أي لا تكابرهم {إِلاّ مِرَآءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً} فإنهم لا علم لهم بهم. {وَلاَ تَقْولَنّ لِشَيْءٍ إِنّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلاّ أَن يَشَآءَ اللّهُ وَاذْكُر رّبّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىَ أَن يَهْدِيَنِ رَبّي لأقْرَبَ مِنْ هَـَذَا رَشَداً} أي لا تقولنّ لشيء سألوك عنه كما قلت في هذا إني مخبركم غدا, واستثن مشيئة الله, واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربّي لخبر ما سألتموني عنه رَشَدا, فإنك لا تدري ما أنا صانع في ذلك. {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُواْ تِسْعاً} أي سيقولون ذلك. {قُلِ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} أي لم يخف عليه شيء مما سألوك عنه.

    قلت: هذا ما وقع في السيرة من خبر أصحاب الكهف ذكرناه على نَسَقه. ويأتي خبر ذي القرنين, ثم نعود إلى أوّل السورة فنقول:

    قد تقدّم معنى الحمد لله. وزعم الأخفش والكسائيّ والفرّاء وأبو عبيد وجمهور المتأوّلين أن في أوّل هذه السورة تقديماً وتأخيراً, وأن المعنى: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيّماً ولم يجعل له عوجاً. و«قَيّماً» نصب على الحال. وقال قتادة: الكلام على سياقه من غير تقديم ولا تأخير, ومعناه: ولم يجعل له عوجاً ولكن جعلناه قيّماً. وقول الضحاك فيه حُسْن, وأن المعنى: مستقيم, أي مستقيم الحكمة لا خطأ فيه ولا فساد ولا تناقض. وقيل: «قيماً» على الكتب السابقة يصدّقها. وقيل: «قيّماً» بالحجج أبداً. «عوجاً» مفعول به¹ والعوج (بكسر العين) في الدين والرأي والأمر والطريق. وبفتحها في الأجسام كالخشب والجدار¹ وقد تقدّم. وليس في القرآن عوج, أي عيب, أي ليس متناقضاً مختلفاً, كما قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} وقيل: أي لم يجعله مخلوقاً¹ كما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} قال: غير مخلوق. وقال مقاتل: «عِوَجاً» اختلافاً. قال الشاعر:

    أدوم بودّي للصديق تكرّماًولا خير فيمن كان في الودّ أعْوَجَا



    {لّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً} أي لينذر محمد أو القرآن. وفيه إضمار, أي لينذر الكافرين عقاب الله. وهذا العذاب الشديد قد يكون في الدنيا وقد يكون في الاَخرة. {مّن لّدُنْهُ} أي من عنده. وقرأ أبو بكر عن عاصم «من لدنه» بإسكان الدال وإشمامها الضم وكسر النون, والهاء موصولة بياء. الباقون «لُدْنُه» بضم الدال وإسكان النون وضم الهاء. قال الجوهري: وفي «لدن» ثلاث لغات: لَدُن, ولَدَى, ولَدُ. وقال:

    مِـن لَـدُ لِحْيَيْـه إلى مُنْحُـوره المنحور لغة في المَنْحَر.

    قوله تعالى: {وَيُبَشّرَ الْمُؤْمِنِينَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ} أي بأن لهم. {أَجْراً حَسَناً} وهي الجنة: {مّاكِثِينَ} دائمين. {فِيهِ أَبَداً} لا إلى غاية. وإن حملت التبشير على البيان لم يحتج إلى الباء في «بأن». والأجر الحسن: الثواب العظيم الذي يؤدي إلى الجنة.



    ** قوله تعالى: {وَيُنْذِرَ الّذِينَ قَالُواْ اتّخَذَ اللّهُ وَلَداً * مّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لاَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً }.

    قوله تعالى: {وَيُنْذِرَ الّذِينَ قَالُواْ اتّخَذَ اللّهُ وَلَداً} وهم اليهود, قالوا عزير ابن الله, والنصارى قالوا المسيح ابن الله, وقريش قالت الملائكة بنات الله. فالإنذار في أوّل السورة عام, وهذا خاص فيمن قال لله ولد. {مّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} «من» صلة, أي ما لهم بذلك القول علم¹ لأنهم مقلدة قالوه بغير دليل. {وَلاَ لاَبَائِهِمْ} أي أسلافهم. {كَبُرَتْ كَلِمَةً} «كلمة» نصب على البيان¹ أي كبرت تلك الكلمة كلمةً. وقرأ الحسن ومجاهد ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق «كلمةٌ» بالرفع¹ أي عظمت كلمة¹ يعني قولهم اتخذ الله ولداً. وعلى هذه القراءة فلا حاجة إلى إضمار. يقال: كبر الشيء إذا عظم, وكبر الرجل إذا أسنّ. {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} في موضع الصفة. {إِن يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً} أي ما يقولون إلا كذباً.



    ** قوله تعالى: {فَلَعَلّكَ بَاخِعٌ نّفْسَكَ عَلَىَ آثَارِهِمْ إِن لّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً}.

    قوله تعالى: {فَلَعَلّكَ بَاخِعٌ نّفْسَكَ عَلَىَ آثَارِهِمْ} «باخع» أي مُهلك وقاتل¹ وقد تقدّم. «آثارهم» جمع أثر, ويقال إثر. والمعنى: على أثر تولّيهم وإعراضهم عنك. {إِن لّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـَذَا الْحَدِيثِ} أي القرآن. {أَسَفاً} أي حزناً وغضباً على كفرهم¹ وانتصب على التفسير.



    ** قوله تعالى: {إِنّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً}.

    قوله تعالى: {إِنّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لّهَا} فيه مسألتان:

    الأولى: قوله تعالى: {إِنّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لّهَا} «ما» و «زينةً» مفعولان. والزينة كل ما على وجه الأرض¹ فهو عموم لأنه دال على بارئه. وقال ابن جبير عن ابن عباس: أراد بالزينة الرجال¹ قال مجاهد. وروى عكرمة عن ابن عباس أن الزينة الخلفاء والأمراء. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: «إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها» قال: العلماء زينة الأرض. وقالت فرقة: أراد النّعم والملابس والثمار والخضرة والمياه, ونحو هذا مما فيه زينة¹ ولم يدخل فيه الجبال الصم وكل ما لا زينة فيه كالحيات والعقارب. والقول بالعموم أولى, وأن كل ما على الأرض فيه زينة من جهة خلقه وصنعه وإحكامه. والاَية بسط في التسلية¹ أي لا تهتم يا محمد للدنيا وأهلها فإنا إنما جعلنا ذلك امتحاناً واختباراً لأهلها¹ فمنهم من يتدبّر ويؤمن, ومنهم من يكفر, ثم يوم القيامة بين أيديهم¹ فلا يعظُمنّ عليك كفرهم فإنا نجازيهم.

    الثانية: معنى هذه الاَية ينظر إلى قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إن الدنيا خضرة حلوة والله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون». وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا» قال: وما زهرة الدنيا؟ قال: «بركات الأرض» خرجهما مسلم وغيره من حديث أبي سعيد الخدريّ. والمعنى: أن الدنيا مستطابة في ذوقها معجبة في منظرها كالثمر المستحلى المعجب المرأى¹ فابتلى الله بها عباده لينظر أيّهم أحسن عملاً. أي من أزهد فيها وأترك لها¹ ولا سبيل للعباد إلى بغضة ما زيّنه الله إلا (أن) يعينه على ذلك. ولهذا كان عمر يقول فيما ذكر البخاري: اللهمّ إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زيّنته لنا, اللّهمّ إني أسألك أن أنفقه في حقه. فدعا الله أن يعينه على إنفاقه في حقه. وهذا معنى قوله عليه السلام: «فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع». وهكذا هو المكثر من الدنيا لا يقنع بما يحصل له منها بل همّته جمعها¹ وذلك لعدم الفهم عن الله تعالى ورسوله¹ فإن الفتنة معها حاصلةٌ وعدم السلامة غالبة, وقد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه. وقال ابن عطية: كان أبي رضي الله عنه يقول في قوله: «أحسن عملاً» أحسن العمل أخذٌ بحقّ وإنفاقٌ في حق مع الإيمان, وأداء الفرائض واجتنابُ المحارم والإكثارُ من المندوب إليه.

    قلت: هذا قول حسن, وجيز في ألفاظه بليغ في معناه, وقد جمعه النبيّ صلى الله عليه وسلم في لفظ واحد وهو قوله لسفيان بن عبد الله الثّقَفيّ لما قال: يا رسول الله, قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك ـ في رواية: غيرك. قال: «قل آمنت بالله ثم استقم» خرّجه مسلم. وقال سفيان الثّوريّ: «أحسن عملاً» أزهدهم فيها. وكذلك قال أبو عصام العسقلاني: «أحسن عملاً» أترك لها. وقد اختلفت عبارات العلماء في الزهد¹ فقال قوم: قصرُ الأمل وليس بأكل الخشن ولبس العباء¹ قاله سفيان الثّوريّ. قال علماؤنا: وصدق رضي الله عنه! فإن من قَصُر أملهُ لم يتأنّق في المطعومات ولا يتفنّن في الملبوسات, وأخذ من الدنيا ما تيسّر, واجتزأ منها بما يبلّغ. وقال قوم: بغضُ المحمدة وحبّ الثناء. وهو قول الأوزاعيّ ومن ذهب إليه. وقال قوم: ترك الدنيا كلها هو الزهد¹ أحَبّ تركها أم كره. وهو قول فضيل. وعن بشر بن الحارث قال: حبّ الدنيا حبّ لقاء الناس, والزهد في الدنيا الزهد في لقاء الناس. وعن الفضيل أيضاً: علامة الزهد في الدنيا الزهد في الناس. وقال قوم: لا يكون الزاهد زاهداً حتى يكون ترك الدنيا أحبّ إليه من أخذها¹ قاله إبراهيم بن أدهم. وقال قوم: الزهد أن تزهد في الدنيا بقلبك¹ قاله ابن المبارك. وقالت فرقة: الزهد حبّ الموت. والقول الأول يعم هذه الأقوال بالمعنى فهو أولى.



    ** قوله تعالى: {وَإِنّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً}.

    تقدّم بيانه. وقال أبو سهل: تراباً لا نبات به¹ كأنه قُطع نباته. والجَرْز: القطع¹ ومنه سنة جُرُز. قال الراجز:

    قـد جَرَفْتهـنّ السّنـون الأجْــرَاز

    والأرض الجرز التي لا نبات فيها ولا شيء من عمارة وغيرها¹ كأنه قطع وأزيل. يعني يوم القيامة, فإن الأرض تكون مستوية لا مستتر فيها. النحاس: والجرز في اللغة الأرض التي لا نبات بها. قال الكسائي: يقال جرزت الأرض تجرز, وجرزها القوم يجرزونها إذا أكلوا كل ما جاء فيها من النبات والزرع فهي مجروزة وجرز.



    ** قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً}.

    مذهب سيبويه أن «أم» إذا جاءت دون أن يتقدّمها ألف استفهام أنها بمعنى بل وألف الاستفهام, وهي المنقطعة. وقيل: «أم» عطف على معنى الاستفهام في لعلك, أو بمعنى ألف الاستفهام على الإنكار. قال الطبري: وهو تقرير للنبيّ صلى الله عليه وسلم على حسابه أن أصحاب الكهف كانوا عجباً, بمعنى إنكار ذلك عليه¹ أي لا يعظم ذلك بحسب ما عظمه عليك السائلون من الكفرة, فإن سائر آيات الله أعظم من قصتهم وأشيع¹ هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن إسحاق. والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم¹ وذلك أن المشركين سألوه عن فتية فقدوا, وعن ذي القرنين وعن الروح, وأبطأ الوحي على ما تقدّم. فلما نزل قال الله تعالى لنبيه عليه السلام: أحسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرّقيم كانوا من آياتنا عجباً¹ أي ليسوا بعجب من آياتنا, بل في آياتنا ما هو أعجب من خبرهم. الكلبي: خَلْقُ السموات والأرض أعجبُ من خبرهم. الضحاك: ما أطلعتك عليه من الغيب أعجب. الجنيد: شأنك في الإسراء أعجب. الماورديّ: معنى الكلام النفي¹ أي ما حسبت لولا إخبارنا. أبو سهل: استفهام تقرير¹ أي أحسبت ذلك فإنهم عجب. والكهف: النّقْب المتّسع في الجبل¹ وما لم يتّسع فهو غار. وحكى النقاش عن أنس بن مالك أنه قال: الكهف الجبل¹ وهذا غير شهير في اللغة.

    واختلف الناس في الرقيم¹ فقال ابن عباس: كل شيء في القرآن أعلمه إلا أربعة: غِسْلين وحَنَان والأوّاه والرقيم. وسئل مرة عن الرقيم فقال: زعم كعب أنها قرية خرجوا منها. وقال مجاهد: الرقيم وادٍ. وقال السّدي: الرقيم الصخرة التي كانت على الكهف. وقال ابن زيد: الرقيم كتاب غمّ الله علينا أمره, ولم يشرح لنا قصته. وقالت فرقة: الرقيم كتاب في لوح من نحاس. وقال ابن عباس: في لوح من رصاص كَتب فيه القوم الكفارُ الذين فرّ الفتية منهم قصتهم وجعلوها تاريخاً لهم, ذكروا وقت فقدهم, وكم كانوا, وبين من كانوا. وكذا قال الفراء, قال: الرقيم لوح من رصاص كتب فيه أسماؤهم وأنسابهم ودينهم وممن هربوا. قال ابن عطية: ويظهر من هذه الروايات أنهم كانوا قوماً مؤرّخين للحوادث, وذلك من نبل المملكة¹ وهو أمر مفيد. وهذه الأقوال مأخوذة من الرّقْم¹ ومنه كتاب مرقوم. ومنه الأرقم لتخطيطه. ومنه رَقْمة الوادي¹ أي مكان جَرْي الماء وانعطافه. وما روي عن ابن عباس ليس بمتناقض¹ لأن القول الأوّل إنما سمعه من كَعْب. والقول الثاني يجوز أن يكون عرف الرقيم بعده, وروى عنه سعيد بن جُبير قال: ذكر ابن عباس أصحاب الكهف فقال: إن الفتية فقدوا فطلبهم أهلوهم فلم يجدوهم فرفع ذلك إلى الملك فقال: ليكونن لهم نبأ, وأحضر لوحاً من رصاص فكتب فيه أسماءهم وجعله في خزانته¹ فذلك اللوح هو الرقيم. وقيل: إن مؤمنين كانا في بيت الملك فكتبا شأن الفتية وأسماءهم وأنسابهم في لوح من رصاص ثم جعلاه في تابوت من نحاس وجعلاه في البنيان¹ فالله أعلم. وعن ابن عباس أيضاً: الرقيم كتاب مرقوم كان عندهم فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى عليه السلام. وقال النقاش عن قتادة: الرقيم دراهمهم. وقال أنس بن مالك والشعبيّ: الرقيم كلبهم. وقال عكرمة: الرقيم الدواة. وقيل: الرقيم اللوح من الذهب تحت الجدار الذي أقامه الخضر. وقيل: الرقيم أصحاب الغار الذي انطبق عليهم¹ فذكر كلّ واحد منهم أصلح عمله.

    قلت: وفي هذا خبر معروف أخرجه الصحيحان, وإليه نحا البخاري. وقال قوم: أخبر الله عن أصحاب الكهف, ولم يخبر عن أصحاب الرقيم بشيء. وقال الضحاك: الرقيم بلدة بالروم فيها غار فيه أحد وعشرون نفساً كأنهم نيام على هيئة أصحاب الكهف, فعلى هذا هم فتية آخرون جرى لهم ما جرى لأصحاب الكهف. والله أعلم. وقيل: الرقيم وادٍ دون فلسطين فيه الكهف¹ مأخوذ من رقمة الوادي وهي موضع الماء¹ يقال: عليك بالرقمة ودع الضفّة¹ ذكره الغزنوي. قال ابن عطية: وبالشام على ما سمعت به من ناس كثير (كهف) فيه موتى, يزعم مجاوروه أنهم أصحاب الكهف وعليهم مسجد وبناء يسمى الرقيم ومعهم كلبٌ رمّة. وبالأندلس في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلبٌ رمّة, وأكثرهم قد تجرّد لحمه وبعضهم متماسك, وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم أثارة. ويزعم أنهم أصحاب الكهف, دخلت إليهم ورأيتهم سنة أربع وخمسمائة وهم بهذه الحالة, وعليهم مسجد, وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم, كأنه قصر مخلق قد بقي بعض جدرانه, وهو في فلاة من الأرض خربة, وبأعلى غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة دقيوس, وجدنا في آثارها غرائب من قبور ونحوها.

    قلت: ما ذكر من رؤيته لهم بالأندلس فإنما هم غيرهم¹ لأن الله تعالى يقول في حق أصحاب الكهف: {لَوِ اطّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} (الكهف: 18). وقد قال ابن عباس لمعاوية لما أراد رؤيتهم: قد منع الله من هو خير منك عن ذلك¹ وسيأتي في آخر القصة. وقال مجاهد في قوله: «كانوا من آياتنا عجباً» قال: هم عجب. كذا روى ابن جريج عنه¹ يذهب إلى أنه ليس بإنكار على النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يكون عنده أنهم عَجَب. وروى ابن نجيح عنه قال: يقول ليس بأعجب آياتنا.



    ** قوله تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبّنَآ آتِنَا مِن لّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً}.

    فيه ثلاث مسائل:

    الأولى: قوله تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} رُوي أنهم قوم من أبناء أشراف مدينة دقيوس الملك الكافر, ويقال فيه: دقليوس ويقال فيه دقينوس. وروي أنهم كانوا مطوّقين مسوّرين بالذهب ذوي ذوائب, وهم من الروم واتبعوا دين عيسى. وقيل: كانوا قبل عيسى, والله أعلم. وقال ابن عباس: إن ملكا من الملوك يقال له دقيانوس ظهر على مدينة من مدائن الروم يقال لها أفْسُوس. وقيل هي طرسوس وكان بعد زمن عيسى عليه السلام فأمر بعبادة الأصنام فدعا أهلها إلى عبادة الأصنام, وكان بها سبعة أحداث يعبدون الله سرّا, فرفع خبرهم إلى الملك وخافوه فهربوا ليلاً, ومرّوا براع معه كلب فتبعهم فآووا إلى الكهف فتبعهم الملك إلى فم الغار, فوجد أثر دخولهم ولم يجد أثر خروجهم, فدخلوا فأعمى الله أبصارهم فلم يروا شيئاً¹ فقال الملك: سُدّوا عليهم باب الغار حتى يموتوا فيه جوعاً وعطشاً. وروى مجاهد عن ابن عباس أيضاً أن هؤلاء الفتية كانوا في دين ملك يعبد الأصنام ويذبح لها ويكفر بالله, وقد تابعه على ذلك أهل المدينة, فوقع للفتية علم من بعض الحواريين ـ حسبما ذكر النقاش أو من مؤمني الأمم قبلهم ـ فآمنوا بالله ورأوا ببصائرهم قبيح فعل الناس, فأخذوا نفوسهم بالتزام الدين وعبادة الله¹ فرفع أمرهم إلى الملك وقيل له: إنهم قد فارقوا دينك واستخفّوا آلهتك وكفروا بها, فاستحضرهم الملك إلى مجلسه وأمرهم باتباع دينه والذبح لاَلهته, وتوعدّهم على فراق ذلك بالقتل¹ فقالوا له فيما روي: {رَبّنَا رَبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى قوله: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ}. وروي أنهم قالوا نحو هذا الكلام وليس به, فقال لهم الملك: إنكم شبان أغمار لا عقول لكم, وأنا لا أعجل بكم بل أستأني فاذهبوا إلى منازلكم ودبّروا رأيكم وارجعوا إلى أمري, وضرب لهم في ذلك أجلاً, ثم إنه سافر خلال الأجل فتشاور الفتية في الهروب بأديانهم, فقال لهم أحدهم: إني أعرف كهفاً في جبل كذا, كان أبي يدخل فيه غنمه فلنذهب فلنختف فيه حتى يفتح الله لنا¹ فخرجوا فيما روي يلعبون بالصّولجان والكرة, وهم يدحرجونها إلى نحو طريقهم لئلا يشعر الناس بهم. وروي أنهم كانوا مثقفين فحضر عيد خرجوا إليه فركبوا في جملة الناس, ثم أخذوا باللّعب بالصولجان حتى خلصوا بذلك. وروى وهب بن منبّه أن أول أمرهم إنما كان حواريّ لعيسى بن مريم جاء إلى مدينة أصحاب الكهف يريد دخولها, فأجّر نفسه من صاحب الحمام وكان يعمل فيه, فرأى صاحب الحمام في أعماله بركة عظيمة, فألقى إليه بكل أمره, وعرف ذلك الرجل فتيان من أهل المدينة فعرفهم الله تعالى فآمنوا به واتبعوه على دينه, واشتهرت خلطتهم به¹ فأتى يوماً إلى ذلك الحمام ولد الملك بامرأة أراد الخلوة بها, فنهاه ذلك الحواري فانتهى, ثم جاء مرة أخرى فنهاه فشتمه, وأمضى عزمه في دخول الحمام مع البغيّ, فدخل فماتا فيه جميعاً, فاتهم ذلك الحواريّ وأصحابه بقتلهما, ففروا جميعاً حتى دخلوا الكهف. وقيل في خروجهم غير هذا.

    وأما الكلب فروي أنه كان كلبَ صيد لهم, وروي أنهم وجدوا في طريقهم راعياً له كلب فاتبعهم الراعي على رأيهم وذهب الكلب معهم¹ قاله ابن عباس. واسم الكلب حمران وقيل قطمير.

    وأما أسماء أهل الكهف فأعجمية, والسند في معرفتها واه. والذي ذكره الطبري هي هذه: مكسلمينا وهو أكبرهم والمتكلم عنهم, ومحسيميلنينا ويمليخا, وهو الذي مضى بالورق إلى المدينة عند بعثهم من رقدتهم, ومرطوس وكشوطوش ودينموس ويطونس وبيرونس. قال مقاتل: وكان الكلب لمكسلمينا, وكان أسنّهم وصاحب غنم.

    الثانية: هذه الاَية صريحة في الفرار بالدين وهجرة الأهل والبنين والقرابات والأصدقاء والأوطان والأموال خوف الفتنة وما يلقاه الإنسان من المحنة. وقد خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم فاراً بدينه, وكذلك أصحابه, وجلس في الغار حسبما تقدم في سورة «النحل». وقد نص الله تعالى على ذلك في «براءة» وقد تقدم. وهجروا أوطانهم وتركوا أرضهم وديارهم وأهاليهم وأولادهم وقراباتهم وإخوانهم, رجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة الكافرين. فسكنَى الجبال ودخول الغيران, والعزلة عن الخلق والانفراد بالخالق, وجواز الفرار من الظالم هي سنة الأنبياء صلوات الله عليهم والأولياء. وقد فضّل رسول الله صلى الله عليه وسلم العزلة, وفضّلها جماعة العلماء لا سيما عند ظهور الفتن وفساد الناس, وقد نص الله تعالى عليها في كتابه فقال: {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ} (الكهف: 15).

    قال العلماء. الاعتزال عن الناس يكون مرّة في الجبال والشّعاب, ومرة في السواحل والرّباط, ومرة في البيوت¹ وقد جاء في الخبر: «إذا كانت الفتنة فأخف مكانك وكفّ لسانك». ولم يخصّ موضعاً من موضع. وقد جعلت طائفة من العلماء العزلة اعتزال الشر وأهله بقلبك وعملك, إن كنت بين أظهرهم. وقال ابن المبارك في تفسير العزلة: أن تكون مع القوم فإذا خاضوا في ذكر الله فخض معهم, وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت. وروى البغويّ عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم». وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعم صوامع المؤمنين بيوتهم» من مراسيل الحسن وغيره. وقال عقبة بن عامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما النجاة يا رسول الله؟ فقال: «يا عقبة أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك». وقال صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان خير مال الرجل المسلم الغنمُ يتبع بها شَعَفَ الجبال ومواقع القطر يَفِرّ بدينه من الفتن». خرّجه البخاري. وذكر عليّ بن سعد عن الحسن بن واقد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كانت سنة ثمانين ومائة فقد حلّت لأمتي العزبة والعزلة والترهّب في رؤوس الجبال». وذكر أيضاً علي بن سعد عن عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فرّ بدينه من شاهق إلى شاهق أو حجر إلى حجر فإذا كان ذلك لم تنل المعيشة إلا بمعصية الله فإذا كان ذلك حلّت العُزْبة». قالوا: يا رسول الله, كيف تحلّ العزبة وأنت تأمرنا بالتزويج؟ قال: «إذا كان ذلك كان فساد الرجل على يدي أبويه فإن لم يكن له أبوان كان هلاكه على يدي زوجته فإن لم تكن له زوجة كان هلاكه على يدي ولده فإن لم يكن له ولد كان هلاكه على يدي القرابات والجيران». قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «يعيّرونه بضيق المعيشة ويكلّفونه ما لا يطيق فعند ذلك يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها».

    قلت: أحوال الناس في هذا الباب تختلف, فربّ رجلٍ تكون له قوّة على سكنى الكهوف والغيران في الجبال, وهي أرفع الأحوال لأنها الحالة التي اختارها الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم في بداية أمره, ونص عليها في كتابه مخبراً عن الفتية, فقال: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاّ اللّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ}. وربّ رجل تكون العزلة له في بيته أخف عليه وأسهل¹ وقد اعتزل رجال من أهل بدر فلزموا بيوتهم بعد قتل عثمان فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم. وربّ رجلٍ متوسّط بينهما فيكون له من القوّة ما يصبر بها على مخالطة الناس وأذاهم, فهو معهم في الظاهر ومخالف لهم في الباطن. وذكر ابن المبارك حدّثنا وهيب بن الورد قال: جاء رجل إلى وهب بن منبّه فقال: إن الناس وقعوا فيما فيه وقعوا! وقد حدّثت نفسي ألا أخالطهم. فقال: لا تفعل! إنه لا بدّ لك من الناس, ولا بدّ لهم منك, ولك إليهم حوائج, ولهم إليك حوائج, ولكن كن فيهم أصمّ سميعاً, أعمى بصيراً, سَكوتاً نَطُوقاً. وقد قيل: إن كل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في معنى الجبال والشّعاب¹ مثل الاعتكاف في المساجد, ولزوم السواحل للرّباط والذكر, ولزوم البيوت فراراً عن شرور الناس. وإنما جاءت الأحاديث بذكر الشعاب والجبال واتباع الغنم ـ والله أعلم ـ لأن ذلك هو الأغلب في المواضع التي يعتزل فيها¹ فكل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في معناه¹ كما ذكرنا, والله الموفق وبه العصمة. وروى عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يعجب ربّك من راعي غنم في رأس شظيّة الجبل يؤذّن بالصلاة ويصلي فيقول الله عز وجل انظروا إلى عبدي يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة». خرجه النسائيّ.

    الثالثة: قوله تعالى: {وَهَيّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} لما فرّوا ممن يطلبهم اشتغلوا بالدعاء ولجأوا إلى الله تعالى فقالوا: {رَبّنَآ آتِنَا مِن لّدُنكَ رَحْمَةً} أي مغفرة ورزقاً. {وَهَيّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} توفيقاً للرشاد. وقال ابن عباس: مخرجاً من الغار في سلامة وقيل صواباً. ومن هذا المعنى أنه عليه السلام كان إذا حَزَبَه أمر فَزع إلى الصلاة.



    ** قوله تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَىَ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً}.

    عبارة عن إلقاء الله تعالى النوم عليهم. وهذه من فصيحات القرآن التي أقرّت العرب بالقصور عن الإتيان بمثله. قال الزجاج: أي منعناهم عن أن يسمعوا¹ لأن النائم إذا سمع انتبه. وقال ابن عباس: ضربنا على آذانهم بالنوم¹ أي سددنا آذانهم عن نفوذ الأصوات إليها. وقيل: المعنى «فضربنا على آذانهم» أي فاستجبنا دعاءهم, وصرفنا عنهم شرّ قومهم, وأنمناهم. والمعنى كلّه متقارب. وقال قطرب: هذا كقول العرب ضرب الأمير على يد الرعيّة إذا منعهم الفساد, وضرب السيد على يد عبده المأذون له في التجارة إذا منعه من التصرف. قال الأسود بن يعفر وكان ضريراً:

    ومن الحوادث لا أبالك أننيضُرِبتْ عليّ الأرضُ الأسداد



    وأما تخصيص الاَذان بالذكر فلأنها الجارحة التي منها عظم فساد النوم, وقلّما ينقطع نوم نائم إلا من جهة أذنه, ولا يستحكم نوم إلا من تعطّل السمع. ومن ذكر الأذن في النوم قوله صلى الله عليه وسلم: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنه» خرّجه الصحيح. أشار عليه السلام إلى رجل طويل النوم, لا يقوم الليل. و«عدداً» نعت للسنين¹ أي معدودة, والقصد به العبارة عن التكثير¹ لأن القليل لا يحتاج إلى عدد لأنه قد عُرِف. والعدّ المصدر, والعدد اسم المعدود كالنّفض والخَبَط. وقال أبو عبيدة: «عدداً» نصب على المصدر. ثم قال قوم: بيّن الله تعالى عدد تلك السنين من بعدُ فقال: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُواْ تِسْعاً} (الكهف: 25).



    ** قوله تعالى: {ثُمّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىَ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً}.

    قوله تعالى: {ثُمّ بَعَثْنَاهُمْ} أي من بعد نومهم. ويقال لمن اُحْيِيَ أو أقيم من نومه مبعوث¹ لأنه كان ممنوعاً من الانبعاث والتصرف.

    قوله تعالى: {لِنَعْلَمَ أَيّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىَ} «لنعلم» عبارة عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود ومشاهدته¹ وهذا على نحو كلام العرب, أي لنعلم ذلك موجوداً, وإلا فقد كان الله تعالى علم أيّ الحزبين أحصى الأمد. وقرأ الزّهريّ «ليعلم» بالياء. والحزبان الفريقان. والظاهر من الاَية أن الحزب الواحد هم الفتية إذ ظنوا لبثهم قليلاً. والحزب الثاني أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم, حين كان عندهم التاريخ لأمر الفتية. وهذا قول الجمهور من المفسرين. وقالت فرقة: هما حزبان من الكافرين, اختلفا في مدّة أصحاب الكهف. وقيل: هما حزبان من المؤمنين. وقيل غير ذلك مما لا يرتبط بألفاظ الاَية. و«أحصى» فعل ماض. و«أمدا» نصب على المفعول به¹ قاله أبو عليّ. وقال الفرّاء: نصب على التمييز. وقال الزجاج: نصب على الظرف, أي أيّ الحزبين أحصى للبثهم في الأمد, والأمد الغاية. وقال مجاهد: «أمدا» معناه عددا, وهذا تفسير بالمعنى على جهة التقريب. وقال الطبري: «أمدا» منصوب بـ«لبثوا». ابن عطية: وهذا غير متّجه, وأما من قال إنه نصب على التفسير فيلحقه من الاختلال أن أفعل لا يكون من فعل رباعي إلا في الشاذ, و«أحصى» فعل رباعي. وقد يحتج له بأن يقال: إن أفعل في الرباعي قد كثر¹ كقولك: ما أعطاه للمال وآتاه للخير. وقال في صفة حوضه صلى الله عليه وسلم: «ماؤه أبيض من اللبن». وقال عمر بن الخطاب: فهو لما سواها أضْيع.



    ** قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِالْحَقّ إِنّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}.

    قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِالْحَقّ} لما اقتضى قوله تعالى: {لِنَعْلَمَ أَيّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىَ} اختلافاً وقع في أمد الفتية, عقّب بالخبر عن أنه عز وجل يعلم من أمرهم بالحق الذي وقع. وقوله تعالى: {إِنّهُمْ فِتْيَةٌ} أي شباب وأحداث حكم لهم بالفتوّة حين آمنوا بلا واسطة¹ كذلك قال أهل اللسان: رأس الفتوّة الإيمان. وقال الجنيد: الفتوّة بذل النّدى وكفّ الأذى وترك الشكوى. وقيل: الفتوّة اجتناب المحارم واستعجال المكارم. وقيل غير هذا. وهذا القول حسن جداً¹ لأنه يعمّ بالمعنى جميع ما قيل في الفتوّة.

    قوله تعالى: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} أي يسّرناهم للعمل الصالح¹ من الانقطاع إلى الله تعالى, ومباعدة الناس, والزهد في الدنيا. وهذه زيادة على الإيمان. وقال السّدّي: زادهم هُدًى بكلب الراعي حين طردوه ورجموه مخافة أن ينبح عليهم وينبّه بهم¹ فرفع الكلب يديه إلى السماء كالداعي فأنطقه الله, فقال: يا قوم! لِمَ تطردونني, لم ترجمونني! لم تضربونني! فوالله لقد عرفت الله قبل أن تعرفوه بأربعين سنة¹ فزادهم الله بذلك هُدًى.



    ** قوله تعالى: {وَرَبَطْنَا عَلَىَ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبّنَا رَبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَن نّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـَهاً لّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً}. قوله تعالى: {وَرَبَطْنَا عَلَىَ قُلُوبِهِمْ} عبارة عن شدّة عزم وقوّة صبرٍ, أعطاها الله لهم حتى قالوا بين يدي الكفار: {رَبّنَا رَبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَن نّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـَهاً لّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً}. ولما كان الفزع وخَوَر النفس يشبه بالتناسب الانحلال حسن في شدة النفس وقوة

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة سبتمبر 22, 2017 5:42 am